محمود سالم محمد
57
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
لكنّه أنهله كأسه * وهو حبيب اللّه خير الأنام فماجت الأرض بمن فوقها * لموته وانهلّ صوب الغمام للّه موت المصطفى إنّه * رزء عظيم لا يضاهي العظام « 1 » وبذلك نجد أن المديح النبوي ، هو في بدايته قسم من المديح العام الذي عرف في أدبنا العربي ، ولكنه انفرد عنه ، لأنه مخصّص لسيد البشر ، ولأن الممدوح يفترق عن عامة الناس ، ولأن كل ما يرد في المدحة النبوية يلتزم نهجا خاصا في التأدب والسمو ، لا نجده في المدائح الآخرى . وافترق المديح النبوي عن الرثاء ، بعد أن تطاول الزمن على وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبعد أن اتجه الشعراء نحو الإشادة بفضائله الكريمة وشمائله العطرة ، وأفعاله المباركة ، دون التعرّض للحزن والأسى ، وهما من خصائص الرثاء ، وبعد أن استقر في أذهان الشعراء تواصل حياة النبي المصطفى ، اتسع نطاق المديح النبوي طلبا للمغفرة والرحمة ، وتحقيقا لأهداف مختلفة أرادها الشعراء من وراء تسابقهم إلى المديح النبوي . القسم الثاني - المدح النبوي في حياة الرسول : حين بعث النبي الهادي واجه مقاومة شديدة من المشركين ، الذين كفروا برسالته السمحة وخافوا على مكانتهم ، ونمط معيشتهم ، التي دعا الإسلام إلى تغييرها وإلى مساواة جميع الخلق تحت رايته ، فتصدوا له منذ البداية ، وخاضوا مع المسلمين صراعا طويلا استخدموا فيه جميع أسلحتهم إلى أن فلّت ، وإلى أن كتب اللّه للإسلام النصر المبين . وكان الشعر من أمضى أسلحتهم ، لما له من فاعلية وتأثير في مجتمعهم .
--> ( 1 ) ابن ناصر الدين الدمشقي سلوة الكئيب ورقة 236 .